محمد جواد مغنية

443

في ظلال الصحيفة السجادية

تقدّم في نفس الدّعاء الّذي نحن بصدده ، فقرة لماذا أملى سبحانه ، وأمهل ؟ ( ولقد كان يستحقّ في أوّل ما همّ بعصيانك . . . ) نيّة الخير تعكس طيب الذّات ، والسّريرة ، ونيّة الشّرّ ، والسّوء توشي بالخبث ، واللّؤم . ويقول الإمام عليه السّلام أنّ الخبيث اللّئيم الّذي همّ بمعصيتك يا إلهي يستحق منك ( كلّ ما أعددت لجميع خلقك من عقوبتك ) أي جميع عقوبة الجريمة الّتي نوى ، وهمّ باقترافها تماما كما لو مارسها ، وأتى بها ( فجميع ما أخّرت عنه من وقت العذاب . . . ) ولكن شاءت حكمتك ، ورحمتك العفو من نوى السّوء ، ولم يتجاوز بقول ، أو فعل تفضلا منك ، وكرما . وفي الحديث : « من همّ بحسنة فلم يعملها كتبها اللّه له كاملة ، ومن همّ بسيئة ولم يفعلها لم يكتبها عليه » « 1 » . وقد تقدّم « 2 » . ( فمن أكرم منك يا إلهي ؟ ) أعطيت ، وهديت ، ورحمت ، وعافيت ، وسترت ، وأمهلت . تباركت ، وتعاليت ( ومن أشقى ممّن هلك عليك ) أي بأمرك ، وعلى يدك ، لأنّه تعالى لا يهلك إلا من يستحق العذاب ، والهلاك ببديهة العقل ، ونصّ القرآن الكريم : هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ « 3 » . . . فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ « 4 » . . . وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا « 5 » . . . لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ « 6 » ، وغير ذلك كثير ، وتقدّم في الدّعاء الأوّل ( لا من ) لا : نافية ، ومن هنا بمعنى أحد أي لا أحد أشقى

--> ( 1 ) انظر ، مسند أحمد : 1 / 310 ، صحيح البخاري : 7 / 187 ، صحيح مسلم : 1 / 83 ، فتح الباري : 11 / 279 . ( 2 ) انظر ، الدّعاء السّابع والعشرون . ( 3 ) الأنعام : 47 . ( 4 ) الأنعام : 6 . ( 5 ) القصص : 58 . ( 6 ) الأنفال : 42 .